أبي طالب المكي

79

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

بعض الأمراء أبا هريرة بألف دينار وعشرة أثواب فردها عليه وقال ، ما كنت لأقبل منه يأخذ المال من غير حله ويضعه في غير حقه . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ردوا هدية الفاجر عليه لا يرى أنكم ترضون عمله ، وأقلّ مالك في هذا الزهد وهو باب كبير من أبواب الدين ، إذا كانت المداهنة والممالأة من أكبر أبواب الدنيا ، لأنّ بذلك يستوي عيش أهل الدنيا وتتم سلامتها لهم . فهذا هو الطرف الآخر من معنى قوله : الحبّ في الله والبغض في الله ، وهو وجه غامض ، ومعناه إذا كشف جلي ظاهر موجود عند علماء الآخرة . وقد جعل الله من أراد أن يحبه الفاسقون ويأمن فيهم ، وجعل من يسارع بالأدهان وإظهار المتابعة للظالمين خشية دور الدوائر عليه علمين من أعلام النفاق . فقال سبحانه : * ( سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها ) * [ النساء : 91 ] ، وقال تعالى : في المعنى الثاني : * ( فَتَرَى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) * [ المائدة : 52 ] ، يعني المنافقين * ( يُسارِعُونَ فِيهِمْ ) * [ المائدة : 52 ] ، يعني يواطئون الكافرين سرا : * ( يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ ) * [ المائدة : 52 ] ، أي نخاف أن تكون الدولة للكافرين على المؤمنين . قال تعالى : * ( فَعَسَى الله أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ من عِنْدِهِ ) * [ المائدة : 52 ] ، فينبغي لمن آمن في المؤمنين وأهل السنّة وأحبوه أن يخاف في المنافقين وأهل البدع أن يبغضوه ، وينبغي لمن سارع في مواطأة المؤمنين أن ينئ ويبطئ في مداهنة الظالمين ومتابعتهم . حتى يخلص له إيمانه من النفاق وتستقيم طريقه من الضلال . وقد نفى الله الإيمان عمن أحبّ من حادّه ، وأثبت الإيمان والتأييد باليقين لمن أبغض فيه أعداءه ، فقال تعالى : * ( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِالله والْيَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ من حَادَّ الله ورَسُولَهُ ) * [ المجادلة : 22 ] الآية . فأمّا من قال من الجاهلين بأنَّ الرضا قد يكون بالمعاصي منه أو من سواه ، كما يكون في الطاعات ، فقد جعل المعاصي والمخالفات من القربات وسوّى بينهما . وفي هذا هدم شرائع الأنبياء وإبطال تفصيل الله ما أحل لنا مما حرم علينا ، وما أمرنا به مما نهانا . وقد روي في خبر : من شرّ الناس منزلة عند الله من يقتدي بسيّئة المؤمن ويترك حسنته . وقال بعض العلماء : من حمل شاذ العلماء فقد حمل شرّا كثيرا ، ومن حسن الأدب في المعاملة إذا عملت صالحا فقل : يا سيدي ، أنت استعملتني وبحولك وقوتك وحسن توفيقك أطعتك ، لأنّ جوارحي جنودك ، وإذا عملت شيئا ظلمت نفسي ، وبهواي وشهوتي اجترحت جوارحي وهي صفاتي . ثم يعتقد في ذلك أنه بقدره ومشيئته كان ما قضاه ، فتكون بالمعنيين قد وافقت مرضاة مولاك وتكون في الحالين عاملا بما يرضيه بالقول والعقود ، وينتفي عنك العجب في أعمال برك ويصح منك المقت لنفسك واعترافك